بقلم الدكتور سامح عبد الغني
وكيل كلية الإعلام جامعة الأزهر
من سنن الله في كونه أن فضل بعض الناس علي بعض، وكرم بني آدم علي سائر مخلوقاته، وفضلهم علي كثير ممن خلق تفضيلا، ومن كريم عطايا الله للخلق أن كتب الأفضلية لبعض الأماكن علي بعض، ومن جزيل فضله أن اختص بعض الأزمنة بالفضل علي غيرها ، وذلك لحكمة كونية تسير بها سفينة الحياة المادية والروحية وتنعم بها الأكوان، وتسعد بها البشرية.
وهذا “التفضيل” هدية الله لخلقه ليمدهم بمواسم الطاعات التي تشكل سوقاً رائجة لأعمال الخير يربح فيها من جد واجتهد وشمر عن ساعد الجد، ويرجع فيها خالي الوفاض من اتبع شيطانه وأتبع نفسه هواها وتمنى علي الله الأماني.
ومن كانت الكياسة ديدنه والفطنة سبيله اغتنم كل لحظة من ليل أو نهار، وتشبث بهذه الفرصة السانحة التي لايعلم المرء هل سيدركها في الأعوام القادمة أم تأتي ساعة الرحيل، وحينئذ لا عمل ولا سبيل.
ومن أوتي الحكمة علم يقينا أن ساعة الموت قد تأتي فجأة، وأن مواسم الطاعات قد تنقطع أوصالها، وأن علي المرء أن يغتنم كل لحظة من ليلها ونهارها، ليكتبه الله من أهل الجنة ورجالها.
ولا يخفي علي أحد من أصحاب العقول وأرباب البصائر وأهل الضمائر فضل شهر رمضان علي سائر الشهور، وشغف الخلق ببلوغه ونيل ثوابه علي مر الأعوام والأزمنة والدهور.. ولا ينكر بشر -كائنا من كان- ما للعشر الأواخر من شهر رمضان من فضل ومكرمة ومثوبة، ومالها من فيوضات وتجليات وكرامات وإشراقات تنير للإنسان طرقه ودروبه..إنها ” العشر” التي نزل فيها القرآن علي نبينا العدنان، والتي يتلمس فيها الخلق “ليلة القدر” التي هي خير من ألف شهر، والتي تتنزل فيها الملائكة علي الأكوان، وينعم الناس فيها بالعفو والصفح والغفران.
وعندما تهل علينا “العشر الأواخر من شهر رمضان” يتسابق المسلمون في فعل الخيرات، والتعبد لرب الأرض والسماوات.. ينشغل الجميع بتلاوة القرآن، ويهرع العباد إلي ربهم للفوز بنعيم الجنان والعتق من لظي جهنم ولهيب النيران.
وحينما تأتي “العشر الأواخر من شهر رمضان” تمتلء المساجد عن بكرة أبيها، وتعج بروادها وقاطنيها، وتذرف الأعين الأدمع ويملؤ الأمل مآقيها، ويأمل الناس أن يبلغوا ليلة القدر، ففيها من وارف النعيم وظلال الخير ما فيها.. لسان حال الخلق -حينئذ- أن يا ربنا بلغنا إياها، وخلص النفس من نزعاتها وهواها، وحقق لأنفسنا من الخير والبر مرادها ومبتغاها، وزكها فأنت يا ربنا خير من زكاها.. سبحانك أنت المدبر التي تغير الأحوال بين عشية وضحاها.
ورغم هذا الفضل العميم، وسعي العباد للظفر بالخير والنعيم المقيم فإن الأمر لا يقتصر علي قيام هذه الليلة، وقضاء زمنها في أداء الصلوات، والتقرب من رب البريات..فالمسلم الحق لا ينفك في ساعة من ليل أو نهار عن طريق الخيرات، وعبادة الخلوات، وفعل الطاعات وترك المنكرات، وإعمار الكون وإخراجه من غياهب الفقر وحالك الظلمات.
و”ليلة القدر” ليست ركعات وسجدات بين جدران المنازل وأروقة المساجد والطرقات.. إنها “سلوك فعلي” لابد أن تجسده العبادة في معاملة المرء مع من حوله.. إنها التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.. إنها ” التفاني” في جبر الخواطر ورفع المظالم، والأخذ بيد الحياري والتائهين.. إنها “العزم الأكيد” علي السير في طريق الخير ومساعدة المحتاجين.. إنها “قوة روحية” و “طاقة إيمانية” تسموا بصاحبها فوق نوازع الشر وأمراض القلب، وتخلصه من مكامن الحقد والكراهية وأثرة النفس وشهوات الطامعين.. إنها “الثقة في وعد الله” الذي لا يتبدل ولا يتغير، وإن بدا للمرء غير ذلك عين اليقين، فقد يكمن الخير في ثنايا الشر، وقد يولد الأمل من رحم المعاناة والأنين، ومرد ذلك قول الله سبحانه «وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ».. إنها “الإخلاص” في القول والعمل، والشعور بوخز الضمير عندما يعتري العمل الدنيوي النقص والتقصير، والانتهاء منه علي عجل.. إنها التغافل عن ذلات العباد، وإقالة عثراتهم، والوقوف بجانبهم في مصائبهم وملماتهم.. إنها “القدوة الحسنة والسلوك القويم” الذي يجوب الآفاق لتعلم الدنيا أن المسلم الحق يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وأن الإسلام دين القول والعمل، وأن الشريعة الإسلامية السمحاء جاءت لما فيه عمار الكون وصالح البشرية، وهي تجمع بين حسن العمل وسمو الروح والراحة الأبدية.
من أراد أن يتلمس ليلة القدر فليتلمسها في سائر أحواله، وفي جل أقواله وأفعاله، وفي حسن سمته وسمو خصاله.. من ابتغي أجر هذه “الليلة المباركة” وجزيل ثوابها فليبذل من أجلها الغالي والنفيس من عقله، وماله، وبدنه، ووقته.. من أراد الظفر بثواب هذه “الليلة” فليجعل الله يري من نفسه خيرا، وليتمسك بشريعته ومنهاجه، ويلتزم بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم نور الكون وسراجه.
وليعلم كل واحد منا أن من حرمه الله من ذلك كله فقد حرم خير ليلة القدر، وخسر خسرانا مبينا ، وليتزود كل منا بتقوي الله في السر والعلن، ولينشغل كل منا بدوام العمل ليكن الله لنا هاديا وناصرا ومعينا، وليكن لنا في حبينا المصطفى الأسوة والقدوة الحسنة فهو من نزل فيه قول ربنا« وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا مبينا»(الأحزاب: الآية ٤٦).
ليدرك كل منا أن الحصاد نتيجة للحرث والسعي والكد، وأن نضوج الثمرة لا يكتمل بين ليلة وضحاها، وإنما الثمر ينضج شيئا فشيئا، بكثير رعاية واهتمام وإتقان، وأن الإحسان جزاؤه الإحسان.
الله أسأل أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يعظم لنا المثوبة، ويكثر لنا الأجر، وأن يكتبنا فيها من المقبولين.